قال النائب الأول لرئيس مجلس النواب الدكتور خميس حسين عطية، إن عملية التحديث السياسي التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني تمثل خيار دولة استراتيجيًا، وليست قرارًا شكليًا أو استجابة ظرفية، مؤكدًا أن الهدف الجوهري منها هو الانتقال التدريجي من السياسة الفردية إلى السياسة البرامجية، ومن البرلمان الخدمي إلى البرلمان السياسي التشريعي والرقابي.
وأضاف عطية، خلال جلسة حوارية نظمتها الجمعية الأردنية للعلوم السياسية مساء السبت، أن مجلس النواب يقف في قلب هذا المسار الإصلاحي، بوصفه حلقة الوصل بين النص الدستوري والممارسة السياسية، وبين تطلعات المجتمع ومنطق إدارة الدولة، مشددًا على أن تقييم أداء المجلس بعد التحديث السياسي يجب أن يكون موضوعيًا ومتزنًا، بعيدًا عن الانطباعية أو التبرير أو جلد الذات.
وأوضح أن المجلس الحالي يشهد تغيرات ملموسة، أبرزها الحضور الأوضح للأحزاب السياسية داخل البرلمان، وبدء تشكّل كتل ذات برامج ومواقف، وإن كانت في مراحلها الأولى، معتبرًا أن هذا التحول يشكل خطوة مهمة نحو العمل البرلماني الجماعي المنظم، ويسهم في رفع مستوى النقاش تحت القبة، وربط التشريع بالأثر الاقتصادي والاجتماعي.
وأشار عطية إلى أن أبرز الفرص المتاحة أمام مجلس النواب تتمثل في بناء تقاليد جديدة للعمل البرلماني، تقوم على ترسيخ ثقافة البرامج والكتل، وتعزيز الرقابة الجادة، وإعادة التوازن في العلاقة مع السلطة التنفيذية، بحيث لا تكون علاقة صدام ولا تبعية، إضافة إلى فرصة استعادة ثقة الشارع تدريجيًا من خلال أداء مهني مسؤول يضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الضيقة.
وفي المقابل، لفت إلى جملة من القيود والتحديات التي تواجه العمل النيابي، في مقدمتها حداثة التجربة الحزبية داخل المجلس، وما يرافقها أحيانًا من ضعف في الخبرة والانضباط البرامجي، فضلًا عن استمرار تأثير الإرث النيابي السابق والضغوط الخدماتية والمناطقية، إلى جانب الظروف الاقتصادية والإقليمية الضاغطة التي تحد أحيانًا من هامش الحركة البرلمانية.
وأكد عطية أن تقييم أداء مجلس النواب لا يجوز أن يكون بمنطق “الأبيض أو الأسود”، موضحًا أن المجلس ليس مثاليًا، لكنه أيضًا ليس تقليديًا كما في السابق، وأننا أمام مرحلة انتقالية يُقاس نجاحها بقدرتها على تثبيت المسار، لا بحصد نتائج فورية، محذرًا من الإحباط المبكر الذي قد يهدم التجربة، أو من التجميل المفرط الذي يفقدها صدقيتها.
وشدد على أن نجاح مشروع التحديث السياسي لا يعتمد على مجلس النواب وحده، بل على تكامل أدوار الدولة والأحزاب والمجتمع والإعلام، مؤكدًا أن دور النواب يتمثل في أن يكونوا جزءًا من الحل، عبر ممارسة مسؤولياتهم التشريعية والرقابية بشجاعة ووضوح، والحفاظ على الثقة بهذا المسار الوطني الذي لا بديل عنه
وتاليا نص الكلمة
السيدات والسادة الكرام،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
مساء الخير،
يسعدني أن أكون بينكم اليوم في رحاب الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، هذا الصرح الفكري الذي نُقدّر عاليًا جهوده في تعزيز ثقافة الحوار البناء، وترسيخ النقاش الهادف، وفتح المساحات الجادة لتبادل الرأي والفكر حول القضايا الوطنية والإقليمية.
وإذ نلتقي اليوم، فإننا نستحضر مكانة الأردن ودوره، ونتطلع بأمل وثقة إلى مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، متمنيًا للأردن، ملكًا وشعبًا، عامًا يحمل الخير والأمن والتقدم، في ظل قيادتنا الهاشمية الحكيمة.
السادة الكرام
في هذا المساء نتحدث عن موضوع بالغ الأهمية، ليس فقط للنواب أو للأحزاب، بل لمستقبل الحياة السياسية في الأردن، وهو أداء مجلس النواب بعد التحديث السياسي.
دعوني أبدأ من فكرة أساسية وهي ان التحديث السياسي لم يكن قرارًا شكليًا، بل خيار دولة، هدفه الانتقال التدريجي من السياسة الفردية إلى السياسة البرامجية، ومن ردّ الفعل إلى التخطيط، ومن البرلمان الخدمي إلى البرلمان السياسي الرقابي والتشريعي.
والحقيقة الثابتة ان مشروع التحديث السياسي الذي أطلقه راس الدولة جلالة الملك لم يكن خيارًا تجميليًا أو استجابة ظرفية لضغوط داخلية أو خارجية، بل جاء باعتباره مسارًا وطنيًا استراتيجيًا يستهدف إعادة بناء الحياة السياسية على أسس أكثر تمثيلًا ومأسسة وقدرة على إنتاج حكومات برلمانية مستقبلًا، وفي قلب هذا المسار يقف مجلس النواب، لا كسلطة قائمة بذاتها فحسب، بل كحلقة الوصل الحاسمة بين النص الدستوري والممارسة السياسية، وبين تطلعات المجتمع ومنطق إدارة الدولة.
من هنا، فإن تقييم أداء مجلس النواب بعد التحديث السياسي لا يجوز أن يكون انطباعيًا أو متسرعًا، كما لا ينبغي أن ينزلق إلى خطاب دفاعي أو تبريري، فنحن أمام تجربة انتقالية قيد التشكل، تحمل فرصًا حقيقية، لكنها تصطدم في الوقت ذاته بقيود بنيوية وثقافية وسياسية لا يمكن القفز عنها أو إنكارها.
أولًا: ما الذي تغيّر؟
أستطيع القول إننا أمام تغيّر واضح، اذ دخلت الأحزاب إلى المجلس النيابي بشكل أوضح من السابق، وبدأنا نرى كتلًا لها برامج ومواقف، حتى وإن كانت في بداياتها. فهذا بحد ذاته تطور مهم، لأنه يكسر العزلة الفردية للنائب، ويفتح الباب أمام العمل الجماعي المنظم، كما تحسّن مستوى النقاش تحت القبة في بعض الملفات، وبدأنا نلمس محاولات لربط التشريع بالأثر الاقتصادي والاجتماعي، لا بالاكتفاء بالشعارات أو المطالب الجزئية.
ثانيًا: الفرص المتاحة أمام المجلس
أهم فرصة اليوم هي بناء تقاليد جديدة للعمل البرلماني، اذ لدينا فرصة لتكريس ثقافة الكتل والبرامج، وتعزيز الرقابة الجادة، وإعادة التوازن في العلاقة مع السلطة التنفيذية، بحيث لا تكون علاقة صدام ولا تبعية.
وهناك فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي استعادة ثقة الشارع تدريجيًا، من خلال أداء مهني، صريح، ومسؤول، يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.
ثالثًا: القيود والتحديات الواقعية
من باب الصراحة، لا يمكن تجاهل القيود وأولها أن التجربة الحزبية داخل المجلس ما تزال فتية، وتفتقر أحيانًا للخبرة والانضباط البرامجي، وهذا أمر طبيعي في المراحل الانتقالية، والقيد الثاني هو الإرث النيابي السابق، حيث ما تزال الضغوط الخدماتية والمناطقية تؤثر على عمل النائب، بفعل توقعات الناخبين وضعف الثقة المتراكمة بالعمل السياسي طويل الأمد، أما القيد الثالث، فهو أن المجلس يعمل في ظل ظروف اقتصادية وإقليمية ضاغطة، تجعل هامش الحركة محدودًا أحيانًا، وتضع النواب أمام معادلة صعبة بين الواقعية والطموح.
رابعًا: كيف نقيّم الأداء بإنصاف؟
من وجهة نظري، لا يجوز أن نقيّم مجلس النواب الحالي بمنطق الأبيض أو الأسود، نعم، لسنا أمام مجلس مثالي، لكننا أيضًا لسنا أمام مجلس تقليدي كما في السابق، نحن في مرحلة انتقالية، يُقاس نجاحها بقدرتها على تثبيت المسار، لا بحصد نتائج فورية.
اذ ان عدد كبير من النواب الحزبيين يخوضون التجربة الأولى دون إرث تنظيمي أو تقاليد برلمانية حزبية راسخة، ما ينعكس أحيانًا ضعفًا في الانضباط أو في القدرة على إنتاج موقف موحد، إضافة الى ذلك فان الضغوط المناطقية وتوقعات الناخبين ما تزال تثقل كاهل النائب، وتدفعه أحيانًا للعودة إلى الدور الخدمي، ليس ضعفًا سياسيًا، بل نتيجة فجوة ثقة تاريخية بين المواطن والعمل البرامجي طويل الأمد.
الصحيح اننا في مرحلة انتقالية دقيقة، يُقاس نجاحها بقدرتها على تثبيت قواعد جديدة للعمل السياسي، لا بعدد القوانين فقط ولا بسرعة النتائج، والخطر الحقيقي ليس في النقد، بل في الإحباط المبكر وهدم التجربة قبل أن تنضج، أو التجميل المفرط الذي يفقدها صدقيتها.
ومن هنا أستطيع القول ان المطلوب هو نقد مسؤول، لا جلد للذات ولا تسويق مفرط، مع إدراك أن التحديث السياسي مشروع تراكمي يحتاج إلى وقت وإرادة واستمرارية.
في الختام، أؤكد أن نجاح التحديث السياسي لا يعتمد على مجلس النواب وحده، بل على تكامل أدوار الدولة، والأحزاب، والمجتمع، والإعلام.
دورنا كنواب هو أن نكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من المشكلة، وأن نمارس مسؤولياتنا بشجاعة ووضوح، مع الحفاظ على الثقة بهذا المسار الوطني الذي لا بديل عنه.
شكرًا لكم
